Monday, January 23, 2012

قيمة الإنسان بين الوهم والحقيقة --- لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي   

بسم الله الرحمن الرحيم
الإنسان في نظر الماديين:
الإنسان في نظر الماديين، في نظر التائهين، في نظر الشاردين قبضة من تراب هذا الأرض، منها نشأ وعليها يمشي، ومنها يأكل وإليها يعود، هو كتلة من اللحم والدم والعظام والأعصاب، والأجهزة والخلايا والعقل، وفي نظر الماديين ما التفكير إلى مادة يفرزها المخُّ كما تفرد الكبد الصفراء أو كما تفرز الكلية البول، وهو هو كائن في نظر الماديين ليس له أهمية، ولا امتياز على غيره، إنه أحد الأحياء الكثيرة المتنوعة، بل هو من جنس هذه الهوام والحشرات والزواحف والقرود، غاية أمره أنه تطور بمرور الزمن فأصبح هذا الإنسان بل إن بعض العلماء الماديين رد الجسم إلى العناصر الأساسية فخرج بالنتائج التالية:
في الإنسان بالوزن المتوسط قدر من الدهن يكفي لصنع سبعة ألواح من الصابون.
فيه قدر من الفحم يكفي لصنع سبعة أقلام رصاص.
فيه قدر من الفوسفور ما يكفي لصنع مائة وعشرين عود من الثقاب.
فيه من الحديد ما يكفي لصنع مسمار متوسط.
فيه من الكلس ما يبيض به بيت دجاج صغير.
فيه من الكبريت ما يطهِّر جلد كلب ميت.
فيه من الماء ستة عشر كالوناً.
هذه المواد التي يرجع إليها الإنسان لا تزيد عن دولارين، بضدها تتميز الأشياء.
هذا الإنسان في نظر الماديين،

الإنسان في نظر خالق الأكوان:
• إنه المخلوق الأول،
• المخلوق المكرم،
• خلقه الله في أحسن تقويم كرمه أحسن تكريم، صوره فأحسن صوره، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه،
• أسجد له ملائكته،
• ميزه بالعلم والإرادة،
• وجعله خليفته في الأرض،
• وجعله محور النشاط في الكون،
• سخرَّ له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه تسخير تكريم وتعريف،
• أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة،
• فكل ما في الكون له ولخدمته، أما الإنسان فهو لله تعالى.
ورد في بعض الآثار القدسية:

ابن آدم، خلقت كل ما في الكون فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء

قال تعالى في القرآن الكريم:

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5))

[سورة العلق]

الإنسان مخلوق أول، الله ربه..
في القرآن الكريم في آيات كثيرة بين قرب الإنسان من الله، أقرب المخلوقات إليه، وبين قرب الله من الإنسان.
أيها الإخوة الكرام:
هذا القرب حطم كل أسطورة من أساطير الوسطاء والسماسرة والمرتزقين بالأديان، الذي جعلوا أنفسهم حجاباً على أبواب رحمة الله الواسعة،

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)

[سورة البقرة]

ليس بينك وبين الله حجاب:

(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115))

[سورة البقرة آية 115]

وفي سورة المجادلة:

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7))

[سورة المجادلة]

وفي الحديث القدسي:قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ:

إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد]

هذه مكانة الإنسان عند الله، إنه أقرب المخلوقات إليه، أما مكانته في الملأ الأعلى، قال تعالى:

(فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29))

[سورة الحجر]

لقد سخر الله له كل ما في هذا العالم لنفعه ولإصلاح أمره، الآيات:

(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20))

[سورة لقمان]

(اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12))

[سورة الجاثية]

(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13))

[سورة الجاثية]

آية أخرى:

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)

[سورة الإسراء]

آية أخرى:

(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34))

[سورة إبراهيم]

النفخة التي في الإنسان والتي هي من روح الله جعلته مستعداً للخلافة في الأرض، مستعداً لحمل الأمانة الكبرى، مستعداً لحمل أمانة التكليف، قال تعالى:

(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(72))

[سورة الأحزاب]

جعله هكذا، وجعله مختاراً، جعله عالماً وجعله مختاراً، قال تعالى:

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا(11))

[سورة الشمس]

إن فجرت تعلم أنها فجرت، وإن اتقت تعلم أنها اتقت:

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا(11))

أعطاه حرية الاختيار، قال تعالى:

(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً (29))

[سورة الكهف]

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا(11))

الإنسان في الإسلام:
الإسلام ـ أيها الإخوة ـ سما بالإنسان، فاعترف به كلاً، جسماً وروحاً، عقلاً وقلباً، إرادةً ووجداناً، غرائز هابطة، وأشواق صاعدة، لم يضع في عنقه غلا، ولا في رجله قيداً، ولم يحرم عليه طيباً، ولم يغلق في وجهه باب خير، ولم يدعه للمتاجرين بالدين يتلاعبون به، قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6))

[سورة الإنفطار]

قال أبو بكر العربي:

ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، ذلك بأن الله سبحانه وتعالى خلقه حياُ، وعالماً، وقادراً، ومتكلماً، وسميعاً وبصيراً، ومدبراً حكيماً

قال الإمام الغزالي:

قرب العبد من ربه سببه تحليه بالصفات التي أمره أن يتخلق بها، من هنا قيل تخلقوا بأخلاق الله

أمره بالعلم، أمره بالبر، أمره بالإحسان، أمره باللطف، أمره بإفاضة الخير، أمره بالرحمة بالخلق، أمره بالنصيحة لهم، وإرشادهم إلى الحق، ومنعهم من الباطل، هذا بعض الخلافة في الأرض.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ

[أخرجه البخاري]

وأما ابن القيم يقول:

اعلم أن الله تعالى اختص نوع الإنسان من بين خلقه، بأن كرمه، وفضله، وشرفه، وخلقه لنفسه، وخلق له كل شيء، وخصه بمعرفته، ومحبته، والقرب منه، وإكرامه بما لم يعط غيره، وسخر له سماواته وأرضه، وما بينهما، حتى الملائكة استخدمهم له، وجعلهم حفظة له، في منامه وفي يقظته، وظعنه وإقامته، وأنزل إليه، وعليه كتبه، وأرسله وأرسل إليه، وخاطبه وكلمه، فللإنسان شأن عند الله ليس كشأن بقية المخلوقات

هل عرف الإنسان قيمته؟..
هل عرف الإنسان أنه المخلوق الأول؟..
هل عرف الإنسان أن الله خلقه لنفسه؟..
هل عرف الإنسان مهمته في الحياة الدنيا؟..
هل عرف الإنسان أن الله خلقه لجنة عرضها السماوات والأرض؟
الإنسان يحتقر نفسه إذا أعرض عن الدين، أما إذا أقبل على الدين فقد عرف قيمته، وعرف شأنه عند الله عز وجل.

الإنسان عندما يعرف قيمته يعرف…
الإنسان من خلال القرآن الكريم وهو كتاب المسلمين الأول،
• الإنسان لم يُخلق عبثاً،
• ولم يُترك سدى،
• إنما خُلق لغاية وحكمة،
• لم يُخلق لنفسه
• ولم يُخلق ليكون عنصراً عبداً لعنصر من عناصر الكون،
• ولم يُخلق ليتمتع كما تتمتع الأنعام،
• لم يخلق ليعيش هذه السنين التي تطول أو تقصر ثم يبتلعه التراب ويأكله الدود ويطويه العدد.

الإنسان عندما يعرف قيمته يشعر…
إن اعتقاد الإنسان بكرامته على الله، ومكانته في الملأ الأعلى ومركزه القيادي في الكون يجعله يشعر بذاته، ويغالي بقيمة نفسه، لأنه يعتز بانتسابه إلى الله، وارتباطه بكل ما في الوجود، فيحيى عزيز النفس، هذه بعض آثار الإيمان في النفس..
يحيى عزيز النفس، عالي الرأس، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه.

ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير
من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه

لذلك يعيش الإنسان عزيز النفس عالي الرأس أبياً للضيم عصياً على الذل والهوان، بعيداً عن الشعور بالتفاهة والضياع، والعدم والفراغ.
الإنسان ـ أيها الإخوة ـ حينما يعتقد أنه خليفة الله في أرضه، ونائبه في إقامة الحق، وإفاضة الخير، وإشاعة الجمال، يشعر أن الكون كله في خدمته، وأن الملائكة الكرام في حراسته، وأن رب الوجود معه، وأنه من فصيلة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
الإنسان المؤمن يشعر أن وجوده لا ينتهي بالموت، الموت محطة على خط سيره، وداره لا تنتهي بالقبر، الإنسان المؤمن يزور القبر زيارة، ثم يخرج منه إلى جنة عرضها السماوات والأرض، قال تعالى:

(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8))

[سورة التكاثر]

القبر يُزار زيارة، ولا يُستقر فيه إلى أبد الآبدين، إن المؤمن الحق يشعر أن وجوده لا ينتهي بالموت، وأن داره لا تنتهي بالقبر، إنه خلق للخلود وللأبد الذي لا ينقطع ولا يزول،

شتان بين الشعوين:
شتان بين شعور غير المؤمن بأنه مجرد حيوان ناطق، أو حيوان مفكر، من فصيلة راقية، ليس له قبل جذور، وليس له بعد موته امتداد، وليس له في حياته صلة بالوجود الكبير، أكثر من صلة القرود به.
وبين من يعتقد أن الإنسان هو المخلوق الأول، وأنه المخلوق المكرم، وأنه المخلوق المكلف، وأن الله سبحانه وتعالى أنعم عليه بنعمة الإيجاد، ونعمة الهدى والرشاد، أنعم عليه بنعمة الإمداد، خلقه لنفسه، وخلق الكون كله من أجله،
أي شعور يشعر به الإنسان حينما يعرف قيمته عند الواحد الديان،
أي شعور يجعله ينطلق من قوقعته ينطلق إلى رحابة الكون ليحقق وجوده، لينشر دين الله عز وجل ليكون خادماً للحق، ليكون سبباً بهدى الناس.. أيها الإخوة الكرام

من عرف نفسه عرف ربه

وأن الله سبحانه وتعالى لم يسلمك إلى أحد من خلقه:

(إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57))

[سورة هود]

حينما يعرف الإنسان قيمة نفسه، يتلو قوله تعالى:

(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123))

[سورة هود]

حينما يعرف الإنسان قيمة نفسه يتلو قوله تعالى:

(مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11))

[سورة التغابن]

كلما قرأ آيةً من كتاب الله ملأت قلبه أمناً وطمأنينة وعزة وكرامة وعاش حياة أخرى لا يعيشها الماديين.

والحمد الله رب العالمين
منقول عن: خطبة الجمعة – الخطبة 0592 : آثار الإيمان في حياة الفرد.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-11-15 | المصدر

Sunday, January 22, 2012

خصائص الإيمان -- لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

بسم الله الرحمن الرحيم
أولاً: الإيمان يمنح المؤمن أمنه العقدي:
المؤمن يتمتع بحالة لا يتمتع بها إلا هو، الأمن العقدي لن يظهر شيئاً في الحياة لا فكر، ولا علم، ولا اختراع، ولا شيء يتناقض مع القرآن الكريم، لأنه من عند خالق السماوات والأرض، أوضح مثل أنت راكب أحدث طائرة في العالم، وبالدرجة الأولى، والمقعد وثير، والمجلات أمامك، والقنوات أمامك، والأشربة المنوعة، والطعام الساخن النادر من صنع أكبر الطباخين، وكل شيء يدعو للرفاه والمقعد يكون سريراً كاملاً، تنام ساعات طويلة نوماً عميقاً وأنت في أطباق الجو، وتفتح القرآن الكريم لتقرأ قوله تعالى:

(وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً (8))

[سورة النحل]

وازن بين ركوب حمار وركوب طائرة، أكمل:

(وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8))

[سورة النحل]

الطائرة دخلت، واليخت دخل، والقطار دخل، والمركبة دخلت، والسيارة دخلت، كلام خالق السماوات والأرض.
إذاً يتمتع المؤمن بحالة أمن عقدي، لعل الفكرة واضحة لن يظهر شيئاً يلغي آية قرآنية، لن تظهر حقيقة تلغي وحي السماء، لن يظهر اكتشاف يلغي كلام الله، كلام الله عز وجل من عند خالق السماوات والأرض الذي علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، مثلاً الله عز وجل جعل رسالة النبي عليه الصلاة والسلام خاتمة الرسالات، وبعثة النبي خاتمة البعثات، والقرآن الكريم خاتم الكتب، ودعوة النبي لكل الأمم والشعوب من دون استثناء لكل البشر جميعاً، لكل القارات إلى نهاية الدوران لماذا؟ لأن الله علم أنه سيكون هناك تواصل، الآن الأرض سطح مكتب، أينما ذهبت إلى أمريكا، إلى استراليا، إلى فرنسا، إلى ألمانيا، إلى إفريقيا، إلى غينيا، ترى كل شيء في الأخبار كأنك في دمشق، لا يوجد شيء يمكن أن يحجب عن الإنسان، فصارت الأرض سطح مكتب، كانت خمس قارات، القارة بلد كبير عاصمة، مدينة، قرية، بيت، غرفة، سطح مكتب،
لذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار

[من حديث أبي ثعلبة الخشني مرفوعا أخرجه الحاكم]

هذا الأمر أمر الدين ما بلغ الليل والنهار، أينما ذهبت في إذاعات إسلامية، في صحف إسلامية، لي موقع في الانترنيت، مرة سافرت إلى مدينة في جنوب استراليا مالبن وزرت جامعتها تفاجئت أمين مكتبة رحب بي ترحيباً يفوق حدّ الخيال لا أعرفه، ثم أكد لي أنه يتابع موقعي في الانترنيت، الآن أنا أذهب لا آخذ معي شيئاً أعطي عنوان الانترنيت الخطبة، ودرس التفسير، ودرس الأحد، ودرس السبت على الانترنيت صورة وصوت، كل محاضراتي بالفضائيات على الانترنيت، بأي مكان في العالم، البارحة زارنا أخ من كندا، قال أنا أتابع الدروس كلها التي تلقى هنا، الأرض أصبحت مكاناً واحداً.

ثانياً: الإيمان يتوافق مع الفطرة:
لذلك رغم التقدم المذهل يسمى الآن الانفجار المعلوماتي، عصر التواصل، التواصل بكل شيء، يعني معك هاتف جوال عدة أزرار تحاكي شخصاً بكندا كأنه معك، عندك فاكس تعمل رسالة خلال ثانية تكون في أقصى بلاد الدنيا، في تواصل لأن الله عز وجل علم هذا التواصل فجعل رسالة النبي خاتمة الرسالات، لأن مضمون الكتاب والسنة طار في الآفاق، أول نقطة في الإيمان أن الله عز وجل فطرنا، جبلنا، برمجنا بالتعبير المعاصر ولفنا على منهجه، أمرك بالصدق تحب الصدق، أمرك بالأمانة تحب الأمانة،
لذلك قال تعالى:

(حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7))

[سورة الحجرات]

أكبر إنجاز أن نفسك ترتاح لمنهج الله، ترتاح لأوامر الله، تتألم لو فعلت شيئاً يخالف منهج الله.
لذلك ورد في القرآن:

(يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ (157))

[سورة الأعراف]

ما معنى معروف؟ من يعرفه؟ أي إنسان، الفطرة السليمة تعرفه، لذلك قالوا المعروف ما عرفته الفطر السليمة ابتداءً، والمنكر ما أنكرته الفطر السليمة ابتداءً، أول نقطة في الإيمان: حقائق الإيمان، مناهج الرحمن، الأمر، النهي، افعل لا تفعل، الفرض، الحرام، الحلال، المباح، أنت وفق هذه المنظومة من القيم قد برمجت نفسك لذلك من هو أسعد الناس؟ الذي يصطلح مع نفسه، أنت حينما تطيع الله عز وجل تصطلح مع نفسك،
للتقريب، راكب سيارة حديثة جداً أما الطريق وعر، حجار، حفر، صخور، أكمات، غبار، تراب، تسمع أصواتاً يقول لك: السيارة تكسرت، هي مصممة لطريق معبد، خذها إلى طريق معبد انسيابي، صوت ناعم، سرعة عالية، هذه مصممة لهذا الطريق، فأنت تعرف كل قيمتها بهذا الطريق، لم تعرف قيمة سيارة ثمنها خمسة وعشرين مليوناً بطريق وعر لا تمشي تسمع تكسير، تسمع أصوات لا تحتمل، تضطرب، فلذلك النفس البشرية حينما تصطلح مع الله عز وجل تماماً كمركبة حديثة جداً مصممة لطريق معبد، مشيت بها بطريق غير معبد، فانزعجت منها انزعاجاً كبيراً، فلما انتقلت بها إلى الطريق المعبد ارتاحت، هذا الوضع.
الإيمان متوافق مع الفطرة لذلك قالوا: الإسلام دين الفطرة، تلاحظ ملاحظة تجد الأخ المؤمن مرتاح، في ظروف صعبة، في تهديدات، في مشكلات منطقة تغلي غلياناً، ما في شيء واضح، الغرب يتهددنا:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا

[أبو داود عَنْ ثَوْبَانَ]

خمس دول إسلامية محتلة، الثروات منهوبة، الشباب يقتلون، الكذب والدجل، الإسلام متهم، حرب عالمية ثالثة على الإسلام، تجد مؤمناً ما عنده شيء لكن مرتاح لأنه تحرك حركة تتوافق مع فطرته، ما كذب، ما أكل مالاً حراماً، ما غش، عنده إحساس عميق أن خالق السماوات والأرض يحبه، وكل شيء بيد الله عز وجل، والله أيها الأخوة، هناك شيء غير مرئي بالعين لو أخ عادي لكن هذا الأخ العادي لأنه اصطلح مع الله، وعرف منهج الله، وسار في طريق يرضي الله، يحس بثقة بالله، وأمن، وطمأنينة، وسعادة، ورضا، وسكينة، واستقرار، لو وزع على أهل بلد لكفاهم.
أول حقيقة خصائصك النفسية، فطرتك، برمجتك، متوافقة تماماً مع منهج الله فحينما تصطلح مع الله، وتطرق باب الله، وتخطب ود الله، تحس براحة لا يعرفها إلا من فقدها، هذه أول حقيقة الإيمان متوافق مع نفسه، أما الكفر متنافر، أقنعوك أنه لا إله، يأتي خطر داهم أنت ضعيف تحتاج إلى جهة تلتجئ إليها لا يوجد، تحتاج إلى جهة تعتمد عليها، أحياناً تأخذ رأيها، لا يوجد، دقق:
قال الله تعالى:

(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11))

[سورة محمد]

تصور ابن له أب كبير علماً وقدراً ومالاً، له غرفة خاصة، البيت منظم تماماً، وجبات الطعام درجة أولى، ثيابه جيدة جداً، في خدمات في البيت عالية جداً، أب دقيق يتابع دراسته وتحصيله، وتصور ابناً مشرداً من ملجأ إلى ملجأ، من سجن إلى إصلاحية، غارق بالمعاصي والآثام والسرقة والفواحش.

(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11))

[سورة محمد]

لك مولى هو الله، لك مرجعية، تجد حياة المؤمن مستقرة لماذا؟ هناك سبب أنه يطبق منهج الله، لا يوجد عنده شيء مدمر، دخل إلى ملهى أعجبته الراقصة تزوجها، في اليوم مئة اتصال، لها زبائن، ما تحمل، طردها ثم حنّ إليها طلبت منه مبلغاً فلكياً يضاف إلى مهرها كتب، ثم تركته، فوجئ بدعوى تطالبه بالمهر، ما معه فذهب إليها وإلى أمها أطلق عليها وعلى أمها الرصاص، وأطلق على نفسه الرصاص، لم يموتا بل مات هو.
دمر، لأنه مشى غلط، أما أنت مؤمن تطبق منهج رسول الله:

فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

تأخذ بنت الحلال، بنت عائلة محترمة، مرباة تربية عالية، تخاف الله، تسرك إذا نظرت إليها، تحفظك إذا غبت عنها، تطيعك إن أمرتها، تنجب لك أولاداً يملؤون البيت فرحة وبهجة يعني:

(أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18))

[سورة السجدة]

ثالثاً: الإيمان خطاب ديني شمولي شمل القلب و العقل و الجسم:
الآن أحياناً هناك رسوم كاريكاتيرية إنسان رأسه كبير وجسمه ضئيل لا يوجد توازن، أي منهج أرضي قد يركز على القلب فقط، وهناك منهج آخر على العقل، إنسان عقله كبير وزنديق والثاني طيب جداً لكن جاهل، لكن الشيء الدقيق أن القرآن الكريم، الدين، الإيمان، خاطب عقلك، وخاطب قلبك، وأمرك أن تعتني بجسمك، خطاب ديني متوازن، خطاب ديني شمولي، هناك خطاب للعقل والعقل غذاؤه العلم، خطاب للقلب والقلب غذاؤه الحب، و خطاب بأن تعتني بجسمك، نفسك مطيتك فارفق بها، إذاً في توازن لا يوجد شيء على حساب شيء، صار أول خصيصة في أمن عقدي، الخصيصة الثانية توافق الإيمان مع الفطرة، الخصيصة الثالثة في تلبية جوانب الإنسان الثلاثة، جانب عقله بالعلم، وجانب قلبه بالحب،
لذلك قال تعالى:

(يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (54))

[سورة المائدة]

يوجد حب بالإسلام،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً

قال الله تعالى:

(وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ (165))

[سورة البقرة]

من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان.

رابعاً: الإيمان يعتمد على حاجات الإنسان:
الآن الإيمان معه خصيصة أنه يعتمد على حاجات الإنسان، الله عز وجل جعلك ضعيفاً لحكمة بالغة بالغة، ما قولك عندك حاسوب صناعي ثمنه خمسين مليوناً والتيار غير منتظم فجاءت ومضة كهربائية أحرقته ما رأيك؟ لكن في قطعة بهذا الحاسوب اسمها فيوز هي وصلة كهرباء ضعيفة جداً فلو جاء التيار فوق المئتين وعشرين يسيح السيخ، ينقطع التيار، يسلم الجهاز، ألا ترى أن هذه القطعة سليمة جداً، أن المصمم بأعلى درجة من الذكاء هكذا فعل الله عز وجل،
قال تعالى:

(وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28))

[سورة النساء]

لو لم تكن ضعيفاً لا تتوب إلى الله، لو لم تكن ضعيفاً لا تسعى لجنة عرضها السماوات والأرض، لذلك الإنسان يكون بشبابه أرعن بالخمسين يبدأ يصلي، يقول سوف أموت ماذا في القبر؟ ماذا بعد الموت؟ فالله عز وجل فضّل علينا بأن جعلنا ضعافاً، اسمعوا هذا الكلام الدقيق، جعلك ضعيفاً كي تفتقر بضعفك فتسعد بافتقارك، ولو جعلك قوياً لاستغنيت بقوتك فشقيت باستغنائك،
لذلك قال تعالى:

(كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7))

[سورة العلق]

أفضل ألف مرة تكون إنساناً متواضعاً لله عز وجل تعرف قيمة نعم الله من أن تكون متعجرفاً ترى نفسك فوق الناس، من هو الأحمق؟ الذي يرى أن له ما ليس لغيره، وأن على غيره ما ليس عليه هذا العنصري.
العالم الآن إنساني وعنصري، لا تستغربوا بدءاً من الزوج حينما ترى لنفسك ما ليس لها، وحينما ترى عليها ما ليس عليك، عليها أن تحترم أمك، أما أنت حينما تسخر من أمها لك الحرية، أنت عنصري، أنا سأبدأ بزوج عنصري وسأنتهي بحق الفيتو عنصري، لماذا خمس دول في الأرض إذا قالت لا انتهى القرار؟ من هي؟ لماذا لما ترتدي الفتاة ثياب السحاقيات في أمريكا والمدير يمنع هذه الفتاة يقيم والد الفتاة عليه دعوى يربحها والقاضي يحكم له بمبلغ فلكي؟ ثياب الشاذات لما منعها المدير والد الفتاة أقام دعوى على المدير وربح الدعوى ودفع الإدارة مبلغاً فلكياً، أما طفلة صغيرة وضعت قماشة على رأسها تنفيذاً لدين يدين به ربع سكان الأرض يؤكد العفة والطهر والعفاف تقوم الدنيا ولا تقعد، هذا عالم، هذا مجتمع يحترم؟ من حق الفتاة أن ترتدي ثياب السحاقيات، ثياب الشاذات، والشذوذ محرم في كل شرائع السماء، أما فتاة مسلمة تضع على رأسها قطعة قماش تقوم الدنيا ولا تقعد، هذا مجتمع بشري يستحق الاحترام؟

الأرض تقترب من الدين:
أول نقطة في الإيمان أنه متوافق مع الفطرة، أول نقطة في الإيمان يعمل لك أمن عقدي، ما في أي مفاجأة،
لن يظهر شيئاً يتناقض مع القرآن لأن هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لذلك الأمن العقدي تتمتع بحالة أمن عقدي طول حياتك، بالعكس تفاجأ أن المعسكر الشرقي قبل انهياره حرم الخمر، معنى ذلك أنه وجد أن هذا المشروب يعيق تقدم الأمة، يشل حركة أبنائها، الاتحاد السوفيتي قبل انهياره بخمس سنوات الخمر محرمة تحريماً مطلقاً عنده، وكذلك يوجد فترة من الفترات تم منع بيع الكحول في أمريكا لما فيه من ضرر، تتفاجأ الآن دعوة كبيرة جداً في أمريكا لإنشاء الجامعات من دون اختلاط، ثلاثمئة وخمسين ألف لقيط بحدائق الجامعات في أمريكا، الآن هناك دعوة قوية جداً لإنشاء جامعات ليس فيها اختلاط، تجد مع تقدم الزمان الأرض تقترب من الدين لا لأنهم آمنوا بالله، أبداً، لأنهم آمنوا بالمال، آمنوا بالنجاح في الدنيا، فنجاحهم في الدنيا يقتضي ذلك، أنت سوف ترى كلما تقدمت الحياة بذكاء معين الإنسان يقترب من الدين في أمن عقدي، توافق مع الفطرة، واضح تام في خصائص الإيمان، لذلك المؤمن يعطي لله، يمنع لله، يصل لله، يقطع لله، يرضى لله، يغضب لله.

والحمد الله رب العالمين
منقول عن: العقيدة – حقائق الإيمان والإعجاز – الدرس (02-30) : الأمن العقدي وتوافق الإيمان مع الفطرة و تلبيته لجوانب الإنسان – المنهج الرباني للتفكر
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-08-03 | المصدر
http://www.muhammad-pbuh.com/ar/?p=1298

Friday, January 20, 2012

اخلاق المسلم -الكتمان

بسم الله الرحمن الرحيم
اخلاق المسلم
الكتمان
كان أنس بن مالك -رضي الله عنه- يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يوم من الأيام كان يلعب مع الغلمان بالمدينة، فأتى إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وألقى عليهم السلام، وكلف أنسًا بمهمة ما. وبعد أن نفذ أنس تلك المهمة عاد إلى أمه، فسألته عن سبب تأخره، فقال لها: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة، فسألته: ما حاجته؟ فلم يخبرها أنس وقال: إنها سِرٌّ. فسعدت به أمه وأُعجبتْ بكتمانه للسر، وقالت له: لا تخبرنَّ بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا. [مسلم].
*عندما تُوفي زوج السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-، عرض عمر على عثمان بن عفان أن يتزوجها، فقال له عثمان: سأنظر في أمري، وبعد أيام لقى عثمانُ عمرَ، فقال له: بدا لي ألا أتزوج الآن. ثم عرض عمر على الصديق أبي بكر أن يتزوج ابنته حفصة، فلم يرد عليه أبو بكر بالقبول أو بالرفض، فغضب عمر منه.
وبعد ليالٍ، خطبها الرسول صلى الله عليه وسلم فزوَّجها له عمر، فلقيه أبو بكر فقال له: لعلك وَجَدْتَ علي (غضبتَ مني) حين عرضتَ علي حفصة فلم أَرْجِعْ إليك شيئًا؟ فقال له عمر: نعم.
فقال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك شيئًا حين عرضتَها على إلا أني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها (أراد الزواج منها)، ولم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها لنكحتُها (تزوجتُها)._[البخاري].
*ما هو الكتمان؟
الكتمان هو حفظ الأسرار، وإخفاء ما لا يجب أن يعرفه الناس من الأمور الخاصة.
أنواع الكتمان:
هناك أمور كثيرة يجب على المسلم أن يلتزم فيها بخلق الكتمان، ولا يظهرها لأحد من الناس، ومن هذه الأمور:
كتمان السر: المسلم يحتفظ بالسر سواء أكان هذا السر خاصًّا به أم أنه يتصل بشخص آخر ائتمنه عليه، فإذا حفظ المسلم السر فإن نفسه تكون مطمئنة لا يخاف من شيء، أما إذا أعلن سره للآخرين فإن ذلك يكون سببًا في تعرضه للمضار والأخطار.
واحتفاظ المسلم بالسر دليل على أمانته، مما يجعل الناس يثقون به ويسعون إلى صداقته، أما إذا كان من الذين يفشون الأسرار، فإن الناس سيكرهونه ولن يثقوا به، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا حدَّث الرجلُ الحديثَ ثم التفت فهي أمانة) [الترمذي]. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة فإنه لا يخبر أحدًا بوقتها ولا بمكانها حتى يجهز الجيش ويستعد للقتال.
ومما قاله الحكماء في كتم السر وعدم إفشائه: من أفشى سره أفسد أمره، ومن كتم سره ملك أمره. وقيل: أضعف الناس من ضعف عن كتمان سره.
وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: من كتم سره كان الخيار بيده.
وقال: ما أفشيتُ سري إلى أحد قط فلمتُه؛ إذ كان صدري به أَضْيَق.
وقال علي -رضي الله عنه-: سرك أسيرك فإذا تكلمتَ به صرتَ أسيره.
وقال الشاعر:
إذا المـرء أَفْـشَي سِـرَّهُ بلسانــه
ولام عليه غيرَهُ فَهـو أحـمـــقُ
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفـسـه
فصـدر الذي يُسْتَوْدَعُ السِّرَّ أَضْيَـقُ
كتمان الحاجات: إذا أراد المسلم أن يقوم بعمل ويؤديه على خير وجه، فعليه أن يكتمه حتى ينفذه أو ينهيه، ولا يُحدِّث كل من يقابله بما يريد فعله. وقد أوصي النبي صلى الله عليه وسلم بالكتمان في قضاء الحوائج، فقال: (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود) [الطبراني والبيهقي].
كتمان أسرار البيت: ما يحدث في البيوت إنما هو أسرار يجب على الإنسان أن يكتمها ولا يفشيها للآخرين؛ فلا يتحدث مع الناس بما يحدث في بيته، وعليه أن يلتزم بالكتمان في علاقته مع زوجته، فلا يفشي ما يحدث بينهما؛ لأنه أمانة.
قال صلى الله عليه وسلم: (إن من أَشَرِّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يُفْضِي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها) [مسلم].
كتمان عورات المسلمين: المسلم لا يتحدث عن الآخرين بما يؤذيهم، بل إنه يستر عوراتهم، ويغض بصره عن محارمهم، وقد توعد الـله -سبحانـه- من يقومون بهتـك أستار المسلمين بالعذاب الأليم، فقال: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [النور: 19].
المسلم إذا بدرت منه معصية أو فعل ذنبًا فإنه يكتم على نفسه، ولا يتحدث بذنوبه أمام الناس، ويسارع بالتوبة إلى الله، والاستغفار عما فعل من الذنوب، أما هؤلاء الذين يتفاخرون أمام الناس بأنهم يرتكبون الذنوب ويفعلون المعاصي فقد سماهم النبي صلى الله عليه وسلم مجاهرين، لا ينالون عفو الله -عز وجل-، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي معافًى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عليه).
[متفق عليه].
الكتمان المحرم:
إذا كان الكتمان أمرًا مطلوبًا، وحث عليه النبي صلى الله عليه وسلم فإن هناك أمورًا لا يجوز للمسلم أن يكتم ما عنده فيها، بل عليه أن يُحَدِّث بكل ما يعرفه وإلا أثم وارتكب وزرًا، ومن هذه الأمور:
الشـهادة: فلا يجوز للمسلم أن يكتم الشهادة، بل عليه أن يؤديها كما رأى، وقد أمر الله -تعالى- بعدم كتمان الشهادة، فقال: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283].
وقال الله تعالى: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 140].
البيع والشراء: على البائع المسلم أن يبين ما في سلعته، وأن يصدق في بيعه، حتى يبارك الله -عز وجل- له في تجارته. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الْبَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بُورِكَ لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحِقت بركة بيعهما) [البخاري].
العلم: لا يجوز للمسلم أن يكتم العلم؛ لأن كتمانه ذنب عظيم يُعاقب عليه أشد العقاب، وكتمان العلم يؤدي إلى لعنة الله على من يكتمه.
قال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159].
وقال تعالى: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون}.
[البقرة: 42].
ويأتي كاتم العلم يوم القيامة وعلى فمه لجام من النار؛ لأنه كتم العلم وبخل به على الناس، يقول صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة) [أبو داود والترمذي وابن ماجه]. فعلى المسلم ألا يكون كاتمًا للعلم أو شهادة الحق.
http://www.pcintv.com/forums/showthread.php?t=28454

أهمية الصلاة في الأسلام


الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعماانا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وبعد:

فهذه كلمات موجزة في الصلاة تبين أهميتها، والأسباب التي تعين على تأديتها مع المسلين، وثمرات المحافظة عليها مع الجماعة.


أهمية الصلاة

للصلاة في دين الإسلام أهمية عظيمة، ومما يدل على ذلك ما يلي:

1 - أنها الركن الثاني من أركان الإسلام.

2 - أنها أول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة؛ فإن قُبلت قُبل سائر العمل، وإن رُدَّت رُدَّ.

3 - أنها علامة مميزة للمؤمنين المتقين، كما قال تعالى: { وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ } [البقرة:3].

4 - أن من حفظها حفظ دينه، ومن ضيّعها فهو لما سواها أضيع.

5 - أن قدر الإسلام في قلب الإنسان كقدر الصلاة في قلبه، وحظه في الإسلام على قدر حظه من الصلاة.

6 - وهي علامة محبة العبد لربه وتقديره لنعمه.

7 - أن الله عز وجل أمر بالمحافظة عليها في السفر، والحضر، والسلم، والحرب، وفي حال الصحة، والمرض.

8 - أن النصوص صرّحت بكفر تاركها. قال : « إن بين الرجل والكفر والشرك ترك الصلاة » [رواه مسلم]. وقال: « العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر » [رواه أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح]، فتارك الصلاة إذا مات على ذلك فهو كافر لا يُغَسّل، ولا يُكَفّن، ولا يُصلى عليه، ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، ولا يرثه أقاربه، بل يذهب ماله لبيت مال المسلمين، إلى غير ذلك من الأحكام المترتبة على ترك الصلاة.


أسباب تعين على أداء الصلاة مع المسلمين:

1 - الإستعانة بالله عز وجل.

2 - العزيمة الصادقة الجازمة.

3 - إستحضار ثمرات الصلاة الدينية والدنيوية.

4 - إستحضار عقوبة ترك الصلاة.

5 - الأخذ بالأسباب، كاستعمال المنبه أو أن يوصي الإنسان أهله بأن يحرصوا على إيقاظه وحثه، أو أن يوصي زملائه بأن يتعاهدوه.

6 - ترك الإنهماك في فضول الدنيا.

7 - ألا يتعب الإنسان نفسه أكثر من اللازم.

8 - أن يتجنب الذنوب، فإنها تثقل عليه الطاعات.

9 - أن يصاحب الأخيار ويتجنب الأشرار.

10 - ترك الإكثار من الأكل والشرب؛ فهما مما يثقل عن الطاعة.

11 - أن يدرك الآثار المتربة على ترك الصلاة من تكدر النفس وانقباضاها، وضيق الصدر وتعسر الأمور.

وبعد هذا كله.. هل يليق أيها العاقل أن تتهاون بالصلاة مع جماعة المسلمين؟! أو أن تؤثر الكسل و النوم على طاعة رب العالمين؟! أو تزهد فيما أعدُّه اللّه للمحافظين عليها من أنواع الكرامات؟! أم تأمن على نفسك مما أعده الله لمن يتهاونون بها من أليم العقوبات؟


ثمرات الصلاة والمحافظة عليها مع جماعة المسلمين

للصلاة مع جماعة المسلمين والمحافظة عليها ثمرات عظيمة، وفوائد جليلة، وعوائد جمّة، في الدين والدنيا، والآخرة والأولى، فمن ذلك ما يلي:

1 - أن المحافظة عليها سبب لقبول سائر الأعمال.

2 - المحافظة عليها سلامة من الاتصاف بصفات المنافقين.

3 - المحافظة عليها سلامة من الحشر مع فرعون وقارون وهامان وأُبي بن خلف.

4 - الصلاة قرة للعين.

5 - ومن ثمراتها تفريح القلب، مبيضة للوجه.

6 - الانزجار عن الفحشاء والمنكر.

7 - وهي منورة للقلب، مبيّضة للوجه.

8 - منشطة للجوارح.

9 - جالبة للرزق.

10 - داحضة للظلم.

11 - قامعة للشهوات.

12 - حافظة للنعم، دافعة للنقم.

13 - منزلة للرحمة، كاشفة للغمة.

14 - وهي دافعة لأدواء القلوب من الشهوات والشبهات.

15 - التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.

16 - التعارف بين المسلمين.

17 - تشجيع المتخلف.

18 - تعليم الجاهل.

19 - إغاظة أهل النفاق.

20 - حصول المودة بين المسلمين؛ فالقرب في الأبدان مدعاة للقرب في القلوب.

21 - إظهار شعائر الإسلام والدعوة إليه القول والعمل.

22 - وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا والآخرة، لا سيما إذا أُعطيت حقها من التكميل ظاهراً وباطناً، فما استُدفعت شرور الدنيا والآخرة بمثل الصلاة، ولا استُجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصلاة؛ لأنها صلة بين العبد وربه، وعلى قدر صلة العبد بربه تنفتح له الخيرات، وتنقطع - أو تقل - عنه الشرور والآفات، وما ابتلي رجلان بعاهة أو مصيبة أو مرض واحد إلا كان حظ المصلي منها أقل وعاقبته أسلم.

23 - الصلاة سبب لاستسهال الصعاب، وتحمل المشاق؛ فحينما تتأزم الأمور وتضيق؛ وتبلغ القلوب الحناجر - يجد الصادقون قيمة الصلاة الخاشعة؛ وحسن تأثيرها وبركة نتائجها.

24 - وهي سبب لتكفير السيئات، ورفع الدرجات، وزيادة الحسنات، والقرب من رب الأرض والسموات.

25 - وهي سبب لحسن الخلق، وطلاقة الوجه، وطيب النفس.

26 - وهي سبب لعلو الهمة، وسمو النفس وترفعها عن الدنايا.

27 - وهي المدد الروحي الذي لا ينقطع، والزاد المعنوي الذي لا ينضب.

28 - الصلاة أعظم غذاء وسقي لشجرة الإيمان، فالصلاة تثبت الإيمان وتنميه.

29 - المحافظة عليها تقوي رغبة الإنسان في فعل الخيرات، وتُسهّل عليه فعل الطاعات، وتذهب - أو تضعف - دواعي الشر والمعاصي في نفسه، وهذا أمر مشاهد محسوس؛ فإنك لا تجد محافظاً على الصلاة - فروضها ونوافلها - إلا وجدت تأثير ذلك في بقية أعماله.

30 - ومن فوائدها: الثبات على الفتن؛ فالمحافظون عليها أثبت الناس عند الفتن.

31 - ومن فوائدها: أنها تُوقد نار الغيرة في قلب المؤمن على حُرمات الله.

32 - والصلاة علاج لأدواء النفس الكثيرة، كالبخل، والشح، والحسد، والهلع، والجزع، وغيرها.

33 - ومن فوائدها الطبية: ما فيها من الرياضة المتنوعة، المقوية للأعضاء، النافعة للبدن.

34 - ومن ذلك، أنها نافعة في كثير من أوجاع البطن؛ لأنها رياضة للنفس والبدن معاً، فهي تشمل على حركات وأوضاع مختلفة تتحرك معها أغلب المفاصل، وينغمز معها أكثر الأعضاء الباطنة، كالمعدة، وسائر آلات النفس والغذاء، أضف إلى ذلك الطهارة المتكررة وما فيها من نفع، كل ذلك نفعه محسوس مشاهد لا يماري فيه إلا جاهل.

35 - ومن فوائدها الصحية: أنها - كما مرّ - تنير القلب وتشرح الصدر، وتفرح النفس والروح، ومعلوم عند جميع الأطباء أن السعي في راحة القلب وسكونة وفرحه وزوال همّه وغمه، من أكبر الأسباب الجالبة للصحة، الدافعة للأمراض، المخففة للآلام، وذلك مجرب مشاهد محسوس في الصلاة خصوصاً صلاة الليل أوقات الأسحار.

36 - ومن ذلك: ما أظهره الطب الحديث من فوائد عظيمة للصلاة، وهي أن الدماغ ينتفع انتفاعاً كبيراً بالصلاة ذات الخشوع، كما قرر ذلك كبار الأطباء في هذا العصر، وهذا دليل من الأدلة التي يتبين لنا بها سبب قوة تفكير الصحابة الكرام، وسلامة عقولهم، ونفاذ بصيرتهم، وقوة جنانهم، وصلابة عودهم.

هذا غيض من فيض من ثمرات الصلاة الدينية والدنيوية، وإلا فثمراتها لا تعد ولا تحصى، فكلما ازداد اهتمام المسلم بها ازدادت فائدته منها، والعكس بالعكس.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم 
from  مركز الإسلام الإلكتروني--- http://www.islam-center.net/islamic-definition/article-islamic-definition/57-2010-06-15-13-18-23/131-2010-06-15-13-46-51.html

Wednesday, December 7, 2011

كيف نبدد همومنا ؟

كيف نبدد همومنا ؟
د. سعد الدريهم

تضيق الأمور بالإنسان، وتكاد تأخذ بخناقه؛ مما يجعلُ الصدرَ منه ضيقاً حرجاً كأنما يصَّعَّد في السماء، فتتغير عليه الأرض برحابها، وتتبدل في عينيه، وهنا تستبد به المشاعر، وتنداح في هامته الخواطر، وتتقاذفه حينذاك أمواج من الحيرة، فلا تسل حينها عن ضعفه، وقلة حيلته، وهوانه حتى على نفسه التي بين جنبيه . وبينا هو يفكِّر ويقدِّر ويبدئ ويعيد، يلحظ أن الثقة بدأت تتسرب من نفسه مرتحلة؛ لتجعله بعد ذلك خاوي الوفاض من كل أمر راشد.
كل ذلك يحدث في بواكير المحن والهموم التي تصيب الإنسان، وهي تعظم وتأخذ بُعداً مبالغاً فيه بسببٍ من حضور الشيطان لتفاعلاتها، لينفخ فيها من روحه، ويجعل منها سبيلاً لزحزحة الإنسان عن مسلماته وإيمانه الراسخ بمقدور الله سبحانه وتعالى، حقق وعده بإغواء الآدمي، وإيراده حمأة الكفر التي هي بسبب من اليأس والقنوط من روح الله، و(لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) وكم ارتكس في هذا الأمر من إنسان؛ فخسر الدنيا والآخرة
إنك لو تفكرت في الهموم والغموم وما يصيب الإنسان من كدر، لوجدت أنها: إما على أمر قد فات وانقضى، وإما على أمر لا زال في علم الغيب لا يُدْرَى ما الله فاعل فيه، ولن تجني من ذلك إلا الحُزن والخوف، وسترى عندما ينكشف الرَّهَجُ أنك قد بوأت نفسك منازل من لا خلاق له ولا عقل.
فما قد مضى لا يعيد إليك الحُزن شيئًا من فائِتِه، ولو أسبلتَ عليه ماء الشؤون، وأَتْبَعتَ النفس حسراتٍ عليه، وما هو آتٍ من الهموم والأكدار لن تدفعه تلك الزفرات والأنات، وقد ثبت في عرف الحكماء أن جُلَّ ما يتخوف منه الإنسان لا يقع، وإن وقع فالخطب منه لا خطر له.
فما يفعله الإنسان من حزن وخوف، لا يعدو أن يكون عبثًا منافيًا للحكمة، لأنك قد أنزلت حزنك وخوفك في غير مواضعه؛ حيث لا جدوى. ووَضْعُ الشيء في غير مواضعه منافٍ للحكمة، كما أن الحكمة أن تضع الشيء موضعه اللائق ، وذلك من توفيق الله للعبد، ولله در الشاعر عندما قال:
ووضع الندى في موضع السيفِ بالعُلَا
مُضِرٌّ، كوضع السيف في موضع الندى
وعندما تضرب الهموم والأحزان بأطنابها وتَنصِب رُوَاقها، تقذف في الرُّوع أن المصاب هو المصاب، وأن ما أصابك لم يُصَبْ أحد بمثله، ولو تفكرت وأبصرتَ لرأيت أنه ما من إنسان إلا وله نصيبه من الهم والحزن، وهو لا ريب لاحِقٌ به، لا فرق في ذلك بين غني أو فقير، أو ملكٍ أو حقير؛ لأنهم من أبناء الدنيا، وسنن الدنيا ماضيةٌ فيهم، ولازمة لهم، وآخذةٌ بحُجَزِهِم، ولن يكونوا عنها بمحيص، كما لم يكن لأسلافهم ذلك، وسنن الدنيا الأقذاء والأكدارُ:
جُبِلَتْ على كَدَرٍ وأنتَ تُرِيدُهَا
صَفْوًا من الأَقْذَاء والأكدارِ؟!
ومُكَلِّفُ الأيامِ ضَِّد طِبَاعِهَا
مُتَطَلِّبٌ في الماءِ جَذْوَةَ نَارِ!
حتى خِيرةُ الله من خلقه لم يكونوا خِلوًا من محن الدنيا ومواطن الأحزان، فكم عانى الأنبياء والمرسلون من لَأْوَاء الدنيا، وكم تكبدوا من غُصَصِهَا، حتى إنهم في ذلك على الضِّعْفِ منك ألمًا وكدرًا؛ لتُضَاعف لهم الحسنات، كما ضُوعِفت لهم المنغصات، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ".
وهؤلاء الرهط الكريم من عِبَادِ الله، وإن ابتلوا بما ابتلوا به، إلا أن مرارة البلاء أضحتْ حلاوةً تستعذبها أفواههم؛ لأنهم خلطوا تلك المرارة بحلاوة الإيمان والتسليم والرضا، فغلبتْ حلاوة الرضا مرارةَ الشقاء، فكانوا في لذة لا يُدْرَكُ كنهها، ولا يُبلغ شأوها؛ لذا لا يبالون بأيٍّ من أفراح الدنيا أو أحزانها أُصِيبوا.
ربما استبد بك العَجَبُ وأخذ منك كل مأخذ: كيف بَلَغَتْ هذه النفوس المطمئنة تلك المنازل! وكيف بوأت نفسَها تلك المكانة الرفيعة من الرضا؟ لا ريبَ أنَّ السبيلَ إلى ذلك التسليمُ لأقدار الله، ومَنْ مَشَى مع القدر استراح؛ لأنهم أصبحوا على يقينٍ أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم ، وما أخطأهم لم يكن ليصبيهم.
وما أُصِيبَ من أصيب في دينه قَبْلَ دنياه إلا لغياب ذلك المفهوم عنهم، وأولئك الرهط وإنْ جَعَلُوا من القدر تُكَأةً للتسليم، إلا أنه تسليم إيجابي؛ لذا نراهم يحاولون دفع المقدور بالقدر نفسه، بفعل الأسباب التي تخفف عنهم وطأة ذلك المقدور، ويجلبون لتلك الأسباب ما يبعث فيها البركة من: دعوة صادقة، ومقولة مأثورة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يرد القدرَ إلا الدعاءُ ".
وكم للدعاء من أثر على مقدور الله! فربما ارتفع الدعاء ونزل القدر، فرفع الدعاءُ القدرَ فمنع وقوعه، وربما كانا في منزلة واحدة من القوة، فحينها يعتلجان إلى قيام الأشهاد، فلا القدر ينزل، ولا الدعاءُ يرفعه، وربما كان الدعاء من الضعف بمنزلةٍ فينزل القدر، ولكن يبقى للدعاء أثره في تخفيف المقدور وإلطافه، وهنا ندرك خطأ من يقول: اللهم إنا لا نسألك رد القدر، ولكنا نسألك اللطف فيه. بل القدر يُرَدُّ، ويُرَدُّ بالدعاء الصالح، وكم من الأقدار رُدت بدعاء الصالحين، وربكم لطيف كريم سبحانه!
فيا من أصيب بالهم والحُزْن عليك بالدعاء، ادع الله موقنًا بالإجابة، وسترى من صنيع الله ولطفه ما يطيش له لُبُّكَ وفؤادك، عليك بالدعاء فأكثر منه، والحق سبحانه وتعالى أكثرُ بكرمه وجوده ولطفه بعباده.
دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: " يا أبا أمامة: ما لي أراك جالسا في المسجد في غير وقت الصلاة؟" قال: همومٌ لزمتني وديون يا رسول الله. قال: "" أفلا أعلمك كلامًا إذا أنتَ قُلْتَهُ أذهب الله عزَّ وجلَّ همك وقضى عنك دَيْنَكَ؟ " قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: ""قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال " قال: ففعلتُ ذلك، فأذهب الله عز وجل همي، وقضي عني دَيْني.
ولا يفوتنك وأنت تدعو بتفريج همك وتنفيس كربك أن تقول: ""اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أَمَتِك، ناصِيَتِي بيدك، ماضٍ فِيَ حكمك، عدل فِيّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك، سَمَّيْتَ به نفسك، أو أنزلْتَهُ في كتابك، أو عَلَّمْتَهُ أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن رَبِيعَ قلبي، ونُور صدري، وجِلَاء حزني وذَهَاب همي " . فما من عبد يقول ذلك إلَّا أذهب الله حزنه وهَمَّه، وأبدله مكانه فرحًا.
ولو تخيرتَ لدعواتك تلك الأزمانَ الفاضلةَ: كثلث الليل الآخر، وما بين الأذان والإقامة من كل صلاة، أو الساعةَ الأخيرة من يوم الجمعة. . فلا ريبَ أنك لُقِّيتَ الخير من أقطاره، ولو جعلتَ بين تلك الدعوات الطيبات شيئًا من النوافل، أو شيئًا من الصدقات، فقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لك، لِتَرِدَ بسببٍ من ذلك حياضَ الأمن واليُمْنِ والراحة والاستقرار، والله لطيف بعبادة.
وحين يستفرغ الإنسان جَهْدَهُ دعاءً لربه، ولياذاً بجانبه، صادقاً موقناً بالإجابة، لا ريب أنه ينتظر الفرج وموعودَ الله بإجابةِ دعاء مَنْ دعاه ، ولا ريب أن انتظار الفرج عبادةٌ من العبادات؛ لأن العبد إذ ذاك في قُرْبٍ من مولاه، وعلى تَعَلُّقٍ بجنابه في ذلة وافتقار، وهذه –ورَبِّي- منزلةٌ قل أن يصل إليها العباد، ولو لم تكن تلك البلية التي أحاطت بك لما ذقت لها طعمًا ، ولربما خرجتَ من الدنيا ولم تنل منها حظك، فانظر كيف أتتْ هذه المحنة بتلك المنحة، وكم لله من محنة فيها للعبد منحة!
(وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). فلا تكرهَنّ من أمر الله شيئًا أيها العبد، فكن لله، وكن مع الله، ولتكن إلى الله في سائر أحوالك، ولا ريب أنّ من كان على هذا الهَدْيِ سعد في الدنيا والآخرة، وإنك عندما تنظر في الأمم التي تنكبت هدي ربها رأيت فيها من آثار الهموم والأحزان ما يَجِلُّ عن الوصف، حتى بلغ من يتخلصون من الحياة بسببه مئات الآلاف سنويًّا.
فاللهَ نسأل أن يعيذنا من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضَلَع الدين وغلبة الرجال